رحلات غير مسبوقة إلى المريخ .. هل بدأ العد العكسي لنزول البشر على الكوكب الأحمر؟
علوم
الثلاثاء ٣٠ مارس ٢٠٢١
12:00
استمع المقال
رحلات غير مسبوقة إلى المريخ .. هل بدأ العد العكسي لنزول البشر على الكوكب الأحمر؟
وفاء اليعقوبي
استمع المقال

لم تعد الرحلات الفضائية مجرد أحلام طفولية أو موضوعا لروايات الخيال العلمي، بل غدت جزءا من الإنجازات التاريخية للبشر، بعد أن استطاعت قدم الإنسان أن تطأ القمر، وتمكنت  المسابير الفضائية من زيارة جميع كواكب المجموعة الشمسية، وعلى رأسها كوكب المريخ. 

ظل كوكب المريخ محط اهتمام علماء الفضاء منذ عشرات السنين. وسعت الدول المستكشفة، أساسا الولايات المتحدة، وروسيا والصين إلى إرسال رحلات فضائية إلى الكوكب الأحمر، لهدفين أساسيين: اكتشاف تاريخ وجود الماء على المريخ، لمعرفة ما إذا كانت هناك حياة سابقة على الكوكب، وتشخيص الطقس والجيولوجيا المريخية تحضيرا لرحلات مأهولة إلى سطح الكوكب. 

رحلات "ناسا" الاستكشافية إلى الكوكب الأحمر

بدأت مغامرة "ناسا" في استكشاف سطح المريخ في أواخر تسعينيات القرن الماضي مع إطلاق مهمة "مارس باثفايندر" في  4 دجنبر من عام 1996، والتي تدخل في إطار برنامج "ديسكفري" الذي يعتمد على فكرة تصميم مهمات فضائية أقل تكلفة تحت شعار "الأسرع والأفضل والأرخص". 

رسم تخيلي للمركبة مارس باثفايندر و الروبوت سيجورنر

 
حملت "مارس باثفايندر"  الروبوت الجوال "سوجورنر" وهبطت بنجاح على سطح المريخ في 4 يوليوز 1997. و تلخصت الأهداف العلمية للمهمة في إنشاء مورفولوجيا لسطح المريخ بإجراء القياسات في الموقع، لكنها لم تنجح في ذلك، حيث فُقد الاتصال بالعربة في 27 شتنبر1997. 
 
في 4 دجنبر 2004، هبطت بنجاح مركبة "سبيريت" وهي المركبة الأولى من مشروع عربة استكشاف المريخ (MER-A)، وذلك بعد ست سنوات تقريباً من التاريخ الأصلي المحدد للمهمة، التي صممت للبحث عن دلائل على آثار حياة على المريخ ودراسة أحجاره وتربته.
 
العربة الجوالة "سبيريت" تقوم بالبحث عن الماء
 
غطت "سبيريت" مسافةً قدرها 7.73 كيلومترا قبل أن تعلق دواليبها في الرمال. وفي يناير 2010، أعلنت "ناسا" فشلها في تحرير العربة وأنها ستعمل كمحطة علمية ثابتة، وشهرين بعد ذلك، فقد الاتصال بالعربة، ما دفع "ناسا" لاتخاذ قرار إنهاء محاولاتها لإعادة الاتصال بها في 25 ماي 2011. 

في نفس السنة، أرسلت "ناسا" مركبة جوالة ثالثة تدعى "أوبورتيونيتي"، وهي توأمة "سبيريت" التي وصلت بعدها بثلاثة أسابيع، إذ تتشابه العربتان من ناحية التركيب وما تحملانه من أجهزة علمية للفحص والاختبار.

صورة فنية للمركبة الجوالة "أوبورتيونيتي"

تعمل "أوبورتيونيتي" على البحث عن المياه على سطح الكوكب الأحمر، ودراسة صخوره وتربته. وقد حطمت، في عام 2010، الرقم القياسي في مدة البقاء بالنسبة للمهمات المتعلقة بسطح المريخ، ولا تزال هذه العربة الجوالة تعمل حتى اللحظة. 

نجاح "أوبورتيونيتي"، شجع ناسا على إعادة الكرة في عام 2011 بإرسال مسبار "كوريوسيتي" أو "مختبر علوم المريخ"، الذي حط بنجاح على سطح المريخ في 6 غشت من عام 2012. 
 
 كريوستي روفر عند غوهة غيل
 
و"كوريوسيتي" عبارة عن مختبر علمي متجول متكامل بحجم سيارة، فهي تضم غرفة من الآلات والأدوات المعقدة، إضافة إلى إنسان آلي يتحكم فيه عن بعد. 

أما أكثر مهمات "ناسا" طموحاً فتقودها العربة الجوالة "برسفيرنس" التي هبطت بنجاح على سطح الكوكب الأحمر في 18 فبراير 2021. 

 

"برسفيرنس" .. رحلة غير مسبوقة إلى الكوكب الأحمر

تعد رحلة المركبة الجوالة "برسفيرنس" واحدة من أكثر المهمات الفضائية طموحاً، لأنها تفتح الباب أمام برنامج غير مسبوق لأخذ عينات من الكوكب ونقلها إلى الأرض. 

وتشكل هذه المهمة محطة أساسية في البحث عن آثار للحياة على هذا الكوكب، حيث حطت المركبة فوق فوهة "جيزيرو" وهو أخطر موقع هبوط على الإطلاق. وقد تم اختياره لتوفره على خاصيات مثالية، من الناحية النظرية، تتمثل في احتمال وجود حياة ميكروبية على الكوكب، وفق ما صرح به العالم المغربي في وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، كمال الودغيري، لقناة ميدي1 تيفي. 

ولأنها خامس عربة جوالة تنجح في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، فقد استفادت "برسفيرنس" من الخبرة التي راكمتها الوكالة على مدى سنوات من خلال الرحلات السابقة، والتقدم العلمي في هذا المجال.

يتوفر الروبوت الجوال "برسفيرنس" على تقنيات عالية وتكنولوجيا جديدة أبرزها: 

مختبر كيميائي يمكنه تحليل المواد العضوية في عين المكان.  

محلل ديناميكيات المريخ البيئية (MEDA): وهو عبارة عن جهاز يقوم جمع بيانات حول الجيولوجيا والمناخ المحلي.

تجربة ISRU للأكسجين على المريخ (MOXIE): وهي تجربة استكشافية ستصنع كمية قليلة من الأكسجين من ثنائي أوكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي للمريخ.
الطائرة المروحية "إنجينويتي" وهي مروحية روبوتية بدون طيار يخطط لاستخدامها في اختبار تكنولوجيا مخصصة للبحث عن أماكن ذات أهمية علمية على المريخ. 
 
ومما يميز هذه الرحلة أنه تم لأول مرة  تصوير تفاصيل عملية الهبوط  بجودة عالية، كما أن"برسفيرنس" وبمجرد هبوطها، أرسلت أول مقطع صوتي من المريخ، قامت "ناسا" بتعديله لإزالة ضوضاء المركبة، وهو عبارة عن هبة ريح على سطح الكوكب الأحمر. كما أنها أرسلت أولى العناصر التحليلية لصخور المريخ. 

دول العالم تتنافس لاكتشاف الكوكب الأحمر

كما كان الحال بالنسبة للقمر، يستمر الصراع الأمريكي-السوفييتي لاكتشاف كوكب المريخ، الذي يشكل منجماً علمياً حقيقياً، خاصة بعد تأكد وجود مياه سائلة مالحة ومتدفقة على سطحه، حسب ما أعلنت عنه "ناسا" في 29 شتنبر من عام  2015. 

بدأ التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي على إٍرسال رحلات استكشافية إلى الكوكب الأحمر في ستينيات القرن الماضي، حيث استقبل المريخ  في مداره و على سطحه عشرات المسبارات الآلية. 

تشير الإحصائيات إلى أنه خلال الفترة الممتدة من 1960 وحتى 2020، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية 21 رحلة ناجحة إلى المريخ، بينها 5 رحلات لا تزال قيد العمل حتى الآن، في حين فشِلت في إطلاق 6 رحلات. أمّا الاتحاد السوفييتي فقد أرسل 17 رحلة فاشلة، مقابل 4 رحلات ناجحة بينها رحلة مشتركة مع الاتحاد الأوروبي، ولا تزال قيد التشغيل حتى الآن.

 مع مرور السنوات استحال كوكب المريخ أولوية في مهمات الاستكشاف الفضائية، وتعددت أطراف الصراع عليه لتشمل الاتحاد الأوروبي والهند والصين والإمارات واليابان، التي ستلتحق بهذا السباق عام 2024 مع إرسال مسبار لاستكشاف "فوبوس" أحد أقمار المريخ.

رحلات مأهولة إلى المريخ .. هل يستحيل الحلم حقيقة؟ 

بعد عملية الهبوط الناجح للمركبة الجوالة "برسفيرنس" على سطح كوكب المريخ، قال مدير ناسا بالإنابة ستيف جورشيك، حسب ما أوردته وكالة فرنس برس "بحلول منتصف العقد الثالث من القرن  الجاري، قد نبدأ استخدام الوسائل التي نستخدمها للوصول إلى القمر لإرسال رواد فضاء إلى المريخ".

على الرغم من أن حلم نزول الإنسان على سطح المريخ قديم، إلا أن إمكانية تحقيقه لا تزال بعيدة بالنظر إلى وجود بعض الصعوبات التقنية وعدم استيفاء جميع شروط السلامة المطلوبة لإرسال بشر إلى سطح المريخ. 

كوكب المريخ عبارة عن صحراء جليدية شاسعة فقدت غلافها الجوي الكثيف بعد تغير مناخي واسع النطاق قبل حوالى 3,5 مليارات سنة. وتستغرق الرحلة إليه نحو سبعة أشهر، وعلى رواد الفضاء أن يمضوا هناك 30 يوما في البداية، بحسب "ناسا"، وهو ما يطرح مشكلة توفير كميات كافية من الغذاء والماء في هذه الرحلة الطويلة. 

يشكل الأوكسجين تحديا آخر أمام رواد الفضاء المتوجهين إلى المريخ، حيث يحتوي جو الكوكب على 95 في المئة من ثاني أوكسيد الكربون. ولتجاوز هذه المشكلة، حملت "برسفيرنس" جهازا بحجم بطارية سيارة يدعى "موكسي" سيحاول إنتاج الأوكسجين مباشرة في الموقع، عن طريق امتصاص ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي للمريخ، على غرار ما تفعل النباتات.

أما جاذبية المريخ فلا تتعدى 38 في المئة من جاذبية الأرض. فيما متوسط درجة الحرارة 63 درجة مئوية تحت الصفر، فضلا عن وجود إشعاعات وغازات كثيرة وضارة بالإنسان، الأمر الذي يقتضي تزويد المركبة التي ستقوم بالرحلة ورواد الفضاء بأنظمة حماية معقدة. 

على الرغم من الصعوبات التي تعترض طريق وصول البشر إلى المريخ، إلا أن الباحثين مقتنعون بإمكانية تجاوزها في حال توفر الإرادة السياسية والتمويل الكافي لإجراء الأبحاث.  فالبحث العلمي المستمر والخبرة المتراكمة والإصرار الذي مكن علماء الفضاء من الوصول إلى القمر، سيمكنهم يوما من وضع القدم على سطح كوكب المريخ. 


 

المريخ
برسفيرنس
رواد الفضاء
العربة الجوالة
ناسا
   اقرأ أيضا